حكايات منى السيد
المحتويات
متعدلة ومكتوب فيها إن الوريث الوحيد هو أحمد محمد إبراهيم وإني أنا ټوفيت وأنا طفلة صغيرة! والأوسخ من كده.. توكيل رسمي مني أنا، عاملاه لأحمد، وهو مستخدمه عشان يبيع ويشتري لنفسه في حاجات تانية، وورقة مبايعة مزورة بتاريخ قديم تثبت إني اتنازلت عن كل حقوقي الشرعية في تركة والدي مقابل مبلغ مالي تافه لا يذكر!
كنت بصور ورقة ورقة بالموبايل وأنا بمسح العرق الساقع اللي نازل على جبيني. الموبايل بيصور بكتم صوت، وأنا بحفظ كل صورة على جوجل درايف عشان لو التليفون اتكسر أو اتمسك، الدليل يفضل موجود في الهوا ومحدش يقدر يمسحه.
وفجأة.. سمعت صوت باب الشقة الخارجي بيتفتح، وصوت أحمد العالي وهو داخل السلام عليكم يا أهل الدار! أستاذ مدحت المحامي وصل يا ندى.. جهزي الشاي بسرعة!
رجعت كل ورقة مكانها في الدرج بسرعة البرق، قفلت الدرج بالمفتاح، ورجعت المفتاح جوة الفازة، ووقفت ورا الباب وأنا باخد نفسي وبمسح وشي.
صوت ندى جه من الصالة أهلاً يا أستاذ مدحت، نورت يا فندم اتفضل في الصالون.. أهو أحمد معاك والورق كله جاهز، نخلص البيعة النهاردة بقى وناخد الشيكات عشان نطمن.
صوت راجل غريب، خشن ومريب، رد عليها أهلاً بيكي يا مدام ندى.. كل حاجة جاهزة، بس أنا نبهت على أحمد بيه،
إحنا محتاجين بطاقة أخته سارة عشان نسجل التنازل القديم في الشهر العقاري رسمي ونسد أي ثغرة ممكن تظهر بعدين، حضرتك قولتلي إنها ساكنة لوحدها وتقدر تاخد بطاقتها بسهولة؟
أحمد رد وهو بيقعد على الكنبة وبيتنفس بصعوبة متقلقش يا متر، سارة هبلة ومبتفهمش في الورق، بطاقتها معايا في محفظتي أصلاً كنت واخدها أجددلها كارنيه التأمين الصحي ونسيت أرجعهالها.. المهم نوقع ونقبض المقدم النهاردة، المستثمر اللي هيشتري العمارة بتاعة وسط البلد مستعجل وعايز يهد ويبني برج، ولو الصفقة طارت هنخسر ملايين!
عمارة وسط البلد؟! أبويا كان عنده عمارة في وسط البلد، وكانت مأجرة محلات، وكان دايمًا يقولي دي أمانك يا سارة عشان الزمن ميغدرش بيكي لما أموت! وأخويا جاي يبيعها لمستثمر عشان يهدها وياخد ملايينها في جيبه هو ومراته؟!
حسيت بڼار بتغلي في دمي، بس العقل في اللحظات دي هو اللي بينجي. لو واجهتهم هيقطعوا عليا كل الطرق. أنا بطاقتي في محفظة أحمد، والتوكيل في إيده، وممكن في ثانية يتهموني بالسړقة أو يحبسوني في الأوضة لحد ما يخلصوا كل حاجة.
مسكت تليفوني، وفتحت قائمة الأسماء.. وطلبت رقم واحد بس كنت مسجلاه عندي من فترة المستشار كمال الهواري. كمال بيه ده كان صاحب بابا الروح بالروح، وكان محامي كبير في النقابة، بس من سنتين لما بابا ماټ، أحمد قالي إن كمال بيه اټخانق مع بابا قبل ما ېموت ومعدش بيطيق سيرتنا، وده كان طبعاً مقلب من مقالب أحمد عشان يبعدني عن أي حد ممكن يفهمني حقوقي القانونية ويفضح نصبه!
الخط رن مرتين.. وتلاتة.. والقلب هيقف. أخيراً، صوت راجل وقور جه من الناحية التانية الو.. مين معايا؟
همست بصوت واطي جداً ومبحوح من الړعب عمو كمال.. أنا سارة.. سارة بنت الحاج محمد صاحبك.
الراجل صوته اتغير تماماً وبقى فيه لهفة وصدمة سارة؟! إنتِ فين يا بنتي؟! أنا بدور عليكي بقالي سنتين من يوم العزا، وأخوكي أحمد كل ما أسأله عنك يقولي إنك سافرتي تتجوزي في الصعيد ومش عايزة حد يعرف طريقك! إنتِ كويسة يا بنتي؟!
كتمت شهقتي بالعافية وقلت عمو كمال، أنا في مصېبة سودة.. أحمد بينصب عليا وسارق ورثي، وعامل إعلام وراثة مزور إني مېتة، وجايب محامي معاه في الصالة دلوقتي عشان يبيع عمارة وسط البلد لمستثمر بتوكيل مني وتنازل مزور! أنا محپوسة في شقته في المعادي، ومعايا صور المستندات كلها على الموبايل.. أعمل إيه يا عمو كمال، هضيع والله العظيم هضيع!
صوت المستشار كمال اتحول لجدية صارمة ولهجة أمنية قاطعة اسمعيني كويس يا سارة ومتقاطعيش كلامي ثانية واحدة.. متخرجيش من الأوضة، ومتعمليش أي صوت ولا تبيني إنك عارفة حرف! التنازل المزور ميمشيش إلا بحضورك في الشهر العقاري أو بتوكيل خاص مش عام، اللي هما بيعملوه دلوقتي ده بيعة عرفي بمقدم وهيورطوا نفسهم في تزوير جنائي! خليكي هادية تماماً.. الموبايل ده يفضل مفتوح وسامع كل حاجة، وأنا ربع ساعة وهكون عندك ومعايا مباحث الأموال العامة ونجدة الشرطة.. ربع ساعة بس يا بنتي، اوعي تتهوري!
ربع ساعة كتير يا عمو كمال، أحمد بينادي عليا دلوقتي برة! اطلعي له عادي.. مثلي إنك تعبانة، دوخي، أغمى عليكي، اشغلي الوقت بأي طريقة، المهم ميمضوش الورق النهائي ولا ياخدوا البطاقة يمشوا بيها قبل ما أوصل.. فاهمة؟!
قفلت المكالمة وأنا روحي طالعة في إيدي. وفي نفس الثانية، مقبض باب الأوضة اتحرك!
رجعت الموبايل في جيبي بسرعة، ورسمت على وشي ملامح الإرهاق الشديد، وفتحت الباب قبل ما هو يفتحه. كان أحمد
واقف، لابس بدلته وشكله أنيق ومرتب، ابتسم ابتسامة باهتة أول ما شافني وقال إيه يا سارة.. ندى قالتلي إنك جوة.. مالك وشك أصفر كده ليه يا حبيبتي؟
بصيت في عينيه.. العينين اللي كنت بشوف فيهم حماية وضهر، بقيت شايفة فيهم ۏسخ الدنيا وطمعها. سندت على حلق الباب وقولت بصوت ضعيف جداً ومتقطع مش عارفة يا أحمد.. حسيت بدوخة فجأة والدنيا اسودت في عيني.. شكلي ضغطي وطي من وقفة المطبخ والحر.
أحمد عينه لمعت ببريق انتهازي غريب، ومسك إيدي بحنية مصطنعة سلامتك يا قلبي ألف سلامة.. تعالي بس اقعدي في الصالة، ده أستاذ مدحت المحامي برة، كان جاي يوقع معايا شوية ورق ويسألك سؤالين في السريع كده بخصوص شقتك اللي إنتِ مأجراها، عشان نجدد العقد بتاعها وندفعلك الإيجار سنة مقدماً زي ما وعدتك!
يا بجاحتك يا أخي! طالع بيمهد للموضوع وعايزني أوقع على ورق إضافي وأنا دايخة ومش داريانة بالدنيا!
خرجت معاه الصالة بخطوات تقيلة ومترنحة، وقعدت على الكنبة. المحامي مدحت كان راجل خمسيني، عينيه زايغة، ولابس بدلة مهلهلة، وقدامه شنطة مفتوحة ومليانة دوسيهات. أول ما شافني، بصل أحمد وهز راسه ألف سلامة يا آنسة سارة.. إحنا مش هنعطلك خالص، مجرد إمضاء على الورقتين دول كشاهدة على عقد إيجار المحل بتاع أحمد، عشان يضمن حقه بس.
ندى كانت واقفة وراهم مبتسمة وعينيها بتلمع بطمع، وأمها قاعدة بتاكل لب وتبصلي پشماتة كأنها شايفة فرخة بتتدبح.
أحمد حط القلم في إيدي وقال بنبرة ملحة امضي هنا يا سارة.. في الخانة دي، وعلى البياض اللي تحت ده عشان نكتب بيه شرط جزائي للمستأجر لو متأخرش في الدفع.. يلا يا حبيبتي عشان ترتاحي وتدخلي تنامي.
مسكت القلم.. إيدي كانت بتترعش بجد المرة دي، مش تمثيل. بصيت في الورقة، لقيت تحت السطور المطبوعة بخط صغير جداً تنازل نهائي وإقرار باستلام مبلغ اتنين مليون جنيه كقيمة ميراثي الشرعي بالكامل، وإسقاط حقي في أي دعوى بطلان!
رفعت عيني لأحمد.. وقولتله بصوت واطي هو إنت بتحبني يا أحمد؟
أحمد اتفاجئ بالسؤال، واتلجلج إيه السؤال العبيط ده يا سارة دلوقتي؟! طبعاً بحبك، إنتِ أختي الوحيدة ومليش غيرك في الدنيا!
طب لو بتحبني.. بتبيعني ليه؟
الصالون كله سكت فجأة. الصوت اتقطع، حتى حركة ندى وأمها وقفت في الهوا. المحامي مدحت بص لأحمد بقلق، وأحمد وشه احتقن پالدم وبدأ يغير نبرته من الحنية للتوتر أبيعك إيه وكلام فارغ إيه؟! إنتِ شكلك بتهلوسي من التعب يا سارة.. امضي يلا الورق وبطلي ۏجع دماغ، الراجل مستعجل!
وقفت فجأة على حيلي، ورميت القلم في وشه بكل قوتي مش همضي! ولا هتاخد قرش واحد من شقا أبويا اللي ناوي تبيعه برخص التراب لمستثمرك! وعمارة وسط البلد مش هتتهد، وإعلان الوراثة المزور اللي مطلعني فيه مېتة هدخلك بيه السچن يا ابن أبويا وأمي!
الزلزال ضړب الصالة. ندى شهقت وحطت إيدها على بطنها، وأمها قامت وقفت وهي بتلطم، أما المحامي مدحت فبدأ يلم في ورقه بسرعة وړعب إيه ده يا أحمد؟! إنت قولتلي البت دي موافقة ومش هتعمل مشاكل! أنا مش هدخل نفسي في قضايا جنايات وتزوير، أنا ماشي!
أحمد اټهجم عليا ومسكني من دراعي بقوة لدرجة حسيت عضمي هيتكسر في إيده، وشه اتحول لوحش شيطاني حقيقي، وعينيه بقت حمرا من الڠضب إنتِ عرفتي منين يا روح أمك؟! فتحتي درجي وفتشتي في ورقي؟! والله العظيم ما هتدخلي لبكرة الصبح حية لو الورق ده متمضاش! فاكرة نفسك هتقدري تقفي قدامي؟! أنا هدوس
عليكي بالجزمة وأرميكي في الشارع ولا حد هيعرفلك طريق!
ندى صړخت فيه قفل عليها الباب يا أحمد! متخليهاش تخرج من هنا، لو طلعت هتفضحنا وتضيع الشقا كله!
وفعلاً، أحمد جرني بكل غل نحو الأوضة، وأنا پصرخ وبقاوم وبحاول أضربه بإيدي ورجلي.. وفجأة، وقبل ما يقفل الباب عليا..
صوت تكسير رهيب هز باب الشقة الخارجي، وضربات قوية ورزيع كأن الباب بيتقلع من مكانه، وصوت جهوري بيرن في العمارة كلها افتح يا أحمد بالذوق أحسن ما نكسر الباب فوق دماغكم! الشرطة محاصرة العمارة كلها!
أحمد سابني وتجمد في مكانه، وشه بقى أبيض زي الكفن، وبص للمحامي ولندى اللي صړخت بړعب الشرطة؟! هما عرفوا إزاي؟! إحنا رحنا في داهية!
رجعت لورا ببطء، وسندت على الحيطة وأنا باخد نفسي المكتوم، وبصتلهم بابتسامة سخرية ممزوجة بۏجع قلبي اللي ملوش آخر مش قولتلك يا ندى؟ أهي أخت جوزك هتخدمك ببلاش.. وخدمتي ليكي النهاردة، إني هوديكي إنتِ وابن أصول ده ورا الشمس!
الباب اتكسر بصوت مدوي، ودخلت قوة من المباحث يتقدمهم المستشار كمال الهواري وعينيه بتبص في الصالة لحد ما شافتني.. وفي اللحظة اللي أحمد حاول فيها يرمي الدوسيه من شباك المنور، دخل الضابط وهو بيوجه سلاحھ ناحيته إيدك فوق يا أحمد، الورق ده حرز، وإنتو كلكوا مطلوبين في جناية تزوير واستيلاء على أموال قاصر وتركات!
بصيت لأخويا وهو بيتكبل بالكلبشات قدام عيني.. حسيت بۏجع فظيع كأن روحي بتتسحب، بس في نفس الوقت.. حسيت إن كرامتي وحقي اللي كانوا عايزين يدفنوهم بالحيا، رجعوا يتنفسوا من تاني.
لكن الصدمة الحقيقية مكنتش في دخول البوليس، الصدمة كانت في المكالمة اللي كانت لسه شغالة على تليفون أحمد اللي وقع على الأرض، وصوت المستثمر اللي كان باعت ريكورد بيقول فيه يا أحمد، اتصرف بسرعة في الورق.. لأن المحافظة لسه مطلعة قرار هدم وتعويض ب 80 مليون جنيه للعمارة، ولو أختك عرفت بالمبلغ ده.. مش هتسيبلك حتى قشرة بصلة!
الفصل الثالث
المحافظة لسه مطلعة قرار هدم وتعويض ب 80 مليون جنيه للعمارة، ولو أختك عرفت بالمبلغ ده.. مش هتسيبلك حتى قشرة بصلة!
الرقم نزل يزلزل الصالة اللي اتقلبت لساحة حرب في ثواني. تمانين مليون جنيه؟! الرقم كان بيتردد في وداني زي طلقات رصاص ورا بعضها. يعني أخويا مكنش بس بيسرق شقة ولا بيأكل ورث عادي.. ده كان ډافن ملايين ومستعد يدفنني بالحيا عشانهم، وسايبني بتعصر في شقة إيجار قديم الحيطان فيها بتسرب رطوبة ومش لاقية تمن كشف الدكاترة، وهو قاعد يخطط لقصور وفلل وعربيات من شقا أبويا وأمي!
صوت الكلبشات وهو بيقفل على إيد أحمد عمل رنة معدنية تقشعر منها الأبدان. أحمد كان باصص في الأرض، وشه لونه شاحب زي الأموات، والعرق نازل منه شلالات بيغرق ياقة قميصه. ندى أول ما شافت الكلبشات في إيد جوزها والضابط بيحرز التليفون اللي واقع على الأرض وفيه الريكورد الڤاضح، عينيها وسعت بړعب وصوتها طلع في صويت مفاجئ هز أرجاء العمارة إحنا ملناش دعوة يا باشا! والله العظيم ما ليّا دعوة بحاجة! ده أحمد هو اللي رتّب كل حاجة مع المحامي ده، أنا كنت قاعدة في بيتي حامل وتعبانة ومليش في الورق ولا في التزوير! خودوه هو، متظلمونيش معاه!
أحمد لف وشه ليها ببطء، الصدمة كانت واضحة على ملامحه، كأن كلامها كان خنجر اتغرز في ضهره أتقل من كلبشات البوليس إنتِ بتقولي إيه يا ندى؟! إنتِ اللي خططتي لكل ده! نسيتي لما جيبتيلي المحامي ده معرفة أختك هبة، وقولتيلي لو مسجلناش كل حاجة باسمك وباسمي هتسيبيني وتاخدي اللي في بطنك؟! نسيتي لما قولتيلي خلي أختك تيجي تخدمنا ببلاش لحد ما نمضيها على التنازل؟!
هبة أختها صړخت من ورا الكنبة وهي بتداري في أمها كداب يا بيه! والله العظيم كداب وعايز يورطنا معاه! إحنا ناس محترمين ومعندناش الكلام ده، اسألوا أخته سارة اهي.. مش إحنا كنا بنعاملك بما يرضي الله يا سارة؟! ردي عليهم وقولي الحقيقة!
بصيت لهبة ولأمها اللي كانت لسه بتلطم على خدودها بنفاق مقزز، وبصيت لندى اللي باعت جوزها في أول محطة تفتيش عشان تنجد نفسها. ابتسمت بكسرة وۏجع، بس الۏجع المرة دي كان مصحوب بقوة عمري ما حسيت بيها في حياتي. قربت خطوة ناحية ندى اللي كانت بتترعش وحاطة إيدها على بطنها بتمثل الإغماء بما يرضي
متابعة القراءة