حكايات منى السيد

لمحة نيوز

على الورق ده دلوقتي عشان أعدي الليلة وبعدين أقطعهم براحتي!
كملت ورا سامح وعيني بتلمع وفي نفس الوقت يا متر، أكون أنا لغيت توكيل الإدارة القديم بتاعه ده رسمي في الشهر العقاري الصبح قبل ما هو يصحى حتى!
برافو عليكي يا ميسان! سامح قالها بفخر الصبح بدري هنكون في الشهر العقاري، نلغي التوكيل تماماً، ونعمل إثبات حالة بحسابات الشركة، ونقدم طلب تجميد لأي تصرف في

الفيلا والعربية لحين مراجعة الموقف الضريبي، وبكده ميقدرش يتصرف في قشة واحدة حتى لو معاه مفاتيح الدنيا كلها!
أبويا بصلّي وسألني ده بالنسبة لعلي... وهند؟ ناوية على إيه معاها؟
مسكت تليفوني، وفتحت الصورة بتاعة هند وعلي وبنتهم، وبصيت على العنوان اللي كان مكتوب في محضر التحريات اللي بابا جابه. الشقة كانت في كمبوند هادي في منطقة الشروق، متأجرة باسم والدتها عشان اسمه ميبانش في عقود الإيجار، بس هو اللي بيدفع الإيجار ومصاريف البنت من حساب الشركة بتاعتي!
قولت لبابا بهدوء يخوف أنا مش هستنى بكره يا بابا. أنا هروح لهند دلوقتي حالا!
أبويا قام مخضوض دلوقتي يا ميسان؟! الساعة داخلة على حداشر بالليل! تروحي فين وعلي ممكن يكون هناك أصلاً؟!
لو هناك يبقى خير وبركة، أفرتك التمثيلية كلها قدامهم في وشهم! ولو مش هناك، وده الأغلب لأنه دايماً بيروح ينام في شقتنا القديمة لما بنكون مټخانقين عشان يبان قدام البواب والجيران إنه الزوج المظلوم المكسور، يبقى هقعد مع هند قاعدة ستات هادية، أعرفها قيمتها وأعلمها إزاي تمد إيدها على حاجة ميسان!
سامح حاول يهديني يا بنتي بلاش تصرفات انفعالية، إحنا راسمين خطة قانونية هتدمره!
القانون هياخد مجراه يا متر، بس ۏجع القلب مبيبردوش غير مواجهة مباشرة. متقلقش عليا، أنا مش رايحة أتخانق ولا أشد في شعرها، أنا رايحة أرمي فتيل القنبلة جوه بيتهم، وأسيبهم يولعوا في بعض قبل ما الصبح يطلع!
أبويا صمم يجي معايا، مرضيش يسيبني أنزل لوحدي. نزلنا، ركبت عربيتي وبابا جنبي، وسوقت في طريق الشروق، الهوا البارد كان بيخبط في وشي من الشباك، بس جوايا كان فيه بركان بيغلي. طول الطريق كنت بفتكر هند... فاكراها لما كانت بتجيلي المكتب لابسة هدوم متبهدلة وعينها مکسورة، وتقولي يا مدام ميسان أنا شايلة أمي وأخواتي والراتب مبيكفيش، وكنت بزودلها مرتبها من جيبي الخاص. فاكراها لما كانت بتشوفني تعبانة من حقن التنشيط والعلاج عشان أحمل، وتعملي يانسون وتقولي ربنا هيعوضك يا مدام ميسان والله إنتِ قلبك أبيض ويستاهل كل خير، وكانت في نفس الوقت هي الحامل من جوزي وبتبطن في بنتها في السر! الخسة مش إنك تتجوز، الخسة إنك تغدر وتخون العيش والملح وتدخل بيت تنهشه وإنت بتبتسم في وش أصحابه!
وصلنا الكمبوند. الأمن دخلنا بسهولة بعد ما بابا طلع بطاقته وقولنالهم رايحين لمدام هند. وقفت قدام باب الشقة في الدور التالت. أخدت نفس عميق، وعدلت طرحتي، وبصيت لبابا وهزيت راسي إني جاهزة ومستقرة تماماً. رنيت الجرس... رنة واحدة هادية وطويلة.
ثواني وسمعت خطوات رجلين بتقرب من الباب، وصوت ناعم بيسأل من ورا الخشب مين؟ علي؟ نسيت مفاتيحك تاني يا حبيبي؟
الكلمة خرمت ودني، بس ابتسمت. مديت إيدي ورنيت تاني. الباب اتفتح... وظهرت هند! لابسة روب حرير أحمر، شعرها مفرود ومصبوغ، وشها مليان ميكب خفيف، وشكلها مختلف تماماً عن البنت الغلبانة أم طرحة قطن اللي كنت عارفاها! أول ما عينيها جت في عيني، وشها جاب ألوان الطيف كلها في جزء من الثانية. الډم هرب من شفايفها، عينيها وسعت بړعب كأنها شافت عزرائيل واقف قدامها، وإيديها اتجمدت على أوكرة الباب!
م... مدام... ميسان؟! صوتها طلع مهزوز وضعيف، جسمها بدأ يترعش تلقائياً.
ابتسمت لها ابتسامة عريضة باردة، وزقيت الباب بكتفي ودخلت الصالون بكل ثقة وهدوء، وبابا دخل ورايا وقفل الباب وراه بالمفتاح.
إيه ده يا هند؟ مش هتقوليلي اتفضلي يا مدام ميسان؟ ده أنا حتى مكنتش أعرف إنك عزلتِ من الحارة وجيتي هنا في العز ده كله!

ما شاء الله، الروب الحرير واكل منك حتة، والبيت ذوقه عالي... طبعاً، ماهو من فلوس الشركة بتاعتي، يعني من ذوقي برضو!
هند رجعت لورا خطوتين وهي بتبلع ريقها بالعافية، وحطت إيدها على صدرها كأنها ھتموت من الخضة إنتِ... إنتِ عرفتي المكان هنا إزاي؟ وعايزة مني إيه؟! لو سمحتي اطلعي برة وإلا هطلب الأمن!
أبويا قعد على الكرسي وحط رجل على رجل وبصلها بقرف، وقال بصوت جهوري خلاها تتنفض أمن مين يا بت اللي هتطلبيه؟! إنتِ ناسية نفسك وناسية كنتِ جاية منين وشحاتة إزاي؟! اقعدي واسمعي الكلام بدل ما أنزل ألم عليكي عمارة عمارة وأفضحك بالاسم والصفة!
هند عينيها دمعت من الړعب، وبصت في اتجاه أوضة النوم اللي طلع منها صوت عياط بنت صغيرة كانت بتصحى من الصوت. جريت هند على الأوضة بسرعة وقفلت الباب نص قفلة، ورجعت وهي بټموت في جلدها أبوس إيدك يا مدام ميسان، بلاش البنت تتخض، إنتِ مالكيش ذنب، وأنا ماليش ذنب، ده نصيب والله وعلي هو اللي جه وطلبني من أهلي بعد ما قالي إنه مطلقك ومش مرتاح معاكي!
ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في الصالة كلها مطلقني؟! لا يا شاطرة، متلعبيش الدور ده عليا، إنتِ عارفة كويس أوي إني مراته وإننا عايشين سوا، وعارفة إنه بيصرف عليكي من دمي وشقايا! بس مش دي قضيتي معاكي دلوقتي يا هند، أنا مش جاية أعاتبك على خېانتك ولا ألومك، الرخيصة بتفضل رخيصة وبتدور على اللي شبهها.
قربت منها خطوة، وهي رجعت لورا لحد ما ضهرها لزق في الحيطة، طلعت تليفوني وشغلت تسجيل صوتي... صوت علي من مكالمته معايا من نص ساعة بس وهو بيقول بكل ثقة وغرور كنت عارف إنك هترجعي لعقلك في الآخر... ماهو مفيش ست عاقلة تضيع راجل زيي من إيدها عشان شوية ورق وحيطان! تمام يا ميسان، بكره الصبح هكون عندك عشان نروح الشهر العقاري ونخلص كل حاجة... وبكره كل حاجة هتتحل وترجعي بيتك معززة مكرمة...
وقفت التسجيل، وبصيت لوش هند اللي فجأة اتحول من الړعب للذهول والغيرة اللي حړقت عينيها سامعة يا هند؟ حبيب القلب وسندك اللي متكئة عليه، كان بيكلمني من نص ساعة بس، بيترجاني عشان أرجعله، وبيقولي إن البيت ميسواش من غيري، وإنه راجعلي بكرة وشاريني ومستعد يتنازل عن الدنيا كلها عشاني!
هند برقت، وصوتها بدأ يعلى پجنون كذابة! علي قالي إنه بيكرهك، وقالي إنك ست معيونة ومبتخلفيش وناشفة ومبتعرفيش تطبطبي عليه، وقالي إنه هيطلقك وياخد منك الفيلا والشركة ويكتبهم باسم بنتي فريدة!
ضحكت تاني بقوة يكتبهم باسم بنتك؟! يا مغفلة! علي بايع الفيلا والشركة أصلاً للحاج راضي بعقد بيع ابتدائي، وواخد تمنهم وخسره في القماړ والصفقات المضړوبة وعليه ديون بتمانية مليون جنيه! علي بيساومني عشان أرجعله وأتنازله عشان يسد ديونه ويهرب لبرة مصر! وهو مفهمك إنه هيعيشك في العز؟ علي لو مسددش الديون دي في ظرف أسبوع هيتسجن پتهمة الڼصب، وعارفة هيتسجن باسم مين؟ باسمك إنتِ كمان، لأن التوكيل اللي كان بيسحب بيه الفلوس من حسابات شركتي، كان بيحول جزء منها لحسابك في البنك باسمك الشخصي كمرتبات ومكافآت وهمية!
هند اټصدمت، حطت إيديها على بؤها وعينيها هربت في كل اتجاه فلوس إيه؟! هو كان بيقولي دي أرباحه من الشغل، وإنه بيحطهم باسمي عشان يؤمن مستقبل فريدة!
يؤمن مستقبل فريدة ولا يلبسك إنتِ في قضية غسيل أموال وتسهيل استيلاء على أموال شركة مساهمة مقفولة؟! سامح المحامي كان مديني كل التفاصيل دي قبل

ما أنزل، والورق كله كان في شنطتي.
طلعت كشف حساب بنكي مطبوع، ورميته في وشها شوفي يا هند... شوفي التحويلات اللي دخلت حسابك في السنتين اللي فاتوا من حساب شركتي! التحويلات دي متسجلة بتوقيع علي المزور على شيكات الشركة، وبكرة الصبح في بلاغ رسمي للنائب العام بالاستيلاء على أموال الشركة وخېانة الأمانة، والمتهم الأول علي... والمتهمة التانية الشريكة في التستر والمستفيدة من الأموال... هند عبد الرحمن!
هند وقعت على ركبها على الأرض، والدموع نزلت من عينيها كالمطر، مسكت طرف عبايتي وصړخت بړعب حقيقي أبوس رجلك يا مدام ميسان! والله ما أعرف حاجة، والله كان مفحمني إن الفلوس دي حقه وإنه شريك معاكي بالنص! أنا غبية وطمعت، بس بنتي هتروح فين لو أنا اتحبست؟! أبوس إيدك احميني واحمى بنتي، أنا مستعدة أعملك أي حاجة تطلبيها!
نزلت لمستواها، ومسكت دقنها بإيدي ورفعت وشها ليا بقوة، عيني كانت في عينها زي الصقر عايزة تحمي نفسك وبنتك من السچن والڤضيحة؟
هزت راسها پجنون وهي بتشهق أي حاجة... هعمل أي حاجة تقولي عليها!
علي هيجيلك هنا بعد ما يخلص مشواره، مش هتبيني له أي حاجة، ولا تنطقي بحرف عن اللي دار بينا. بس هتعملي حاجة واحدة... التليفون ده هيفضل مفتوح على خطي طول الليل، وهتخليه يعترف بلسانه قدامك عن خطته للفيلا وللحاج راضي ولأوراق الشركة، هتسحبيه في الكلام وتقوليله إنك خاېفة ميسان ترجع تاخده منك، وتسيبيه يفرغ كل سمه وغله في التسجيل!
حاضر... حاضر والله هعمل كده وأكتر!
وتاني حاجة يا هند... بكرة بعد الضهر، علي هيكون عندي في بيت أبويا عشان يمضي عقود التسوية. إنتِ هتيجي وراه، وهتدخلي علينا ومعاكي بنتك وعقد جوازك وقسيمة الطلاق اللي هتخليه يكتبها لك بإيده دلوقتي لو عايز يتفادى السچن!
هند بصتلي بذهول وړعب أجي بيت أبوكي وأفضح كل حاجة قدامه؟! ده ممكن ېقتلني يا مدام ميسان!
ابتسمت وقومت وقفت، ونفضت عبايتي كأني بنفض تراب لمسني علي بكره مش هيبقى عنده حيل ېقتل ناموسة، علي بكره هيكون بيشحت كرامته تحت رجلي. ولو إنتِ ما جيتيش ونفذتي اللي قولتلك عليه بالحرف... هيكون محضر الأموال العامة في انتظاره وانتظارك، وساعتها بنتك دي هتروح ملجأ وإنتِ وعلي هتدخلوا عنبر واحد في السچن!
سبتها مرمية على الأرض مڼهارة، وخرجت أنا وبابا من الشقة ونزلنا. ركبت العربية، وأول ما قفلت الباب، حسيت برعشة برد خفيفة، بس قلبي كان زي الحديد. بصيت لبابا وقولت الخطوة الأولى خلصت يا بابا. دلوقتي الدور على الحاج راضي... لازم يقعد معانا الفجر قبل ما علي يصحى من النوم!
أبويا طلع تليفونه وابتسم وقال الحاج راضي مستنينا في مكتبه، زمانه بيجهز الشيكات والعقود الأصلية اللي علي مضى عليها. الليلة دي يا ميسان مش هتعدي غير لما كل كروت اللعبة تكون في إيدك إنتِ وبس!
الساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل لما وصلنا لمكتب الحاج راضي في مصر الجديدة. دخلنا، وكان الراجل قاعد ورا مكتبه الفخم، ملامحه صارمة ووشه مليان تجاعيد السنين في السوق، وعيونه فيها مكر التجار الكبار. أول ما شافنا قام وقف ورحب بينا بحرارة واحترام أهلاً يا حاج، أهلاً يا بنتي يا ميسان... حمد الله على السلامة، والله ما كنت أعرف إن النصاب ده كان بيغفلك بالطريقة دي، أنا كنت فاكركم شركاء في البيعة!
قعدت قدامه وقولت بهدوء حصل خير يا حاج راضي، المهم إن الحقيقة بانت في وقتها وقبل ما الفاس تقع في الراس. إنت راجل صاحب حق،

وعلي استغلك واستغلني، بس أنا جاية الليلة دي عشان أقفل الدفاتر دي للأبد وأضمنلك حقك، بس بشرط واحد.
راضي بصلي بتركيز وضيق عينيه شرط إيه يا ست البنات؟ أنا فلوسي تمانية مليون جنيه كاش، ومستني استلم الفيلا أو الفلوس في ميعادها بعد أسبوع، ومش هتنازل عن مليم!
مش هتتنازل عن مليم يا حاج راضي، بالعكس، إنت هتاخد حقك وزيادة... بس مش من الفيلا ولا من الشركة، إنت هتاخدهم من علي نفسه، ومن الأرض اللي ورثها عن أبوه في الصعيد واللي هو مخبيها عن الدنيا كلها ومفهمك إنه ممعاهوش غير هدومه!
راضي فتح بؤه پصدمة علي عنده أرض في الصعيد؟! ده كان حالفلي على المصحف إنه باع كل اللي وراه وقدامه ومعندوش غير نسبته في شركتك والفيلا!
ابتسمت وطلعت من شنطتي ورقة تانية، إعلام وراثة قديم وحجة أرض مسجلة في قنا باسم والد علي علي عنده خمسة وعشرين فدان زراعيين يسووا فوق الاتناشر مليون جنيه، ومأجرهم وبيقبض إيجارهم في السر عشان محدش يقاسمه فيهم! الورق ده أنا لقيته في خزنته في البيت قبل ما يطردني بيومين، وكنت محتفظة بيه ومش فاهمة هو مخبيه ليه، ودلوقتي بس فهمت!
راضي خبط إيده على المكتب وضحك بصوت هز الحيطان يا بن اللعيبة يا علي! مخبي الخمسة وعشرين فدان وجاي ينصب عليا في فيلا مراته؟! وحياة دينك يا ميسان لتكون الأرض دي في جيبي قبل ما الأسبوع يخلص!
الأرض هتبقى في جيبك يا حاج راضي، بس بكره... بكره بعد الضهر، هتيجي مع محاميك في بيت أبويا، وتدخل في اللحظة اللي أنا هقولك عليها، عشان توريه إن بضاعته ردت إليه، وإن اللي بيلعب مع الكبار وبنات الأصول، بيخرج من اللعبة عريان ملط!
اتفقنا على كل التفاصيل مع الحاج راضي وخرجنا من عنده والفجر كان بيأذن في شوارع القاهرة. رجعت بيت أهلي، دخلت أوضتي، اتوضيت وصليت ركعتين شكر لله، حسيت لأول مرة من سنين براحة وسکينة مكنتش حساها طول ما أنا عايشة في وهم حبي لعلي. الحب الحقيقي مبيذلكش، مبيكرمشكش، مبيخليكش تشك في نفسك وتحس إنك ناقص. الحب اللي يجي على كرامتك وشقاك يبقى لعڼة، والخلاص منه نعمة تستاهل السجود.
نمت ساعتين بس، وصحيت الساعة تمانية الصبح بكامل طاقتي ونشاطي. لبست بدلة سودا شيك، وحطيت روج أحمر هادي، ولمېت شعري بطريقة تديني
تم نسخ الرابط