المليونير
سادت القاعة حالة من الصمت.
حتى الفرقة الموسيقية كانت مستنية قرار ندى.
الكابتن فؤاد اقترب منها بسرعة وهمس
لو عملتي الحركة دي... ممكن الإصابة تفتح تاني.
ابتسمت ندى بهدوء.
أنا مش داخلة أكسب بطولة.
سكتت لحظة.
أنا داخلة أرجّع كرامتي.
وصلت الجملة لكل الموجودين.
حتى حسن الدمنهوري، لأول مرة، ماعرفش يرد.
بدأت الموسيقى من جديد...
لكن المرة دي كانت أهدى.
ندى ماجريتش.
مااستعرضتش.
كانت كل خطوة بتاخدها كأنها بتحكي سنة من عمرها.
خطوة...
سنة العلاج.
خطوة...
سنة الوحدة.
خطوة...
سنة الشغل في المطاعم والفنادق وهي مخبية اسمها الحقيقي.
القاعة كلها كانت بتتابع من غير نفس.
وفجأة...
وصلت لنص الأرضية.
لفت مرة...
واتنين...
وتلاتة...
كل لفة أسرع من اللي قبلها.
الحضور بدأ يصفق مع الإيقاع.
أما سوسن، فكانت ملامحها بتتغير ثانية بعد ثانية.
همست لنفسها
دي... دي نفس الحركة.
كريم سمعها.
تقصدي إيه؟
قالت وهي مبهوتة
دي الحركة اللي كانت بتختم بيها بطلة الجمهورية عروضها... ماحدش قدر يقلدها.
الكابتن فؤاد كان ماسك قلبه.
عارف إن الحركة الأصعب لسه جاية.
ندى وقفت فجأة.
أغمضت عينيها.
أخذت نفسًا طويلًا.
ثم اندفعت للأمام.
قفزة خفيفة...
دوران في الهواء...
ولحظة نزول مثالية.
شهقت القاعة كلها.
حتى العازفين وقفوا عن العزف لثانية من شدة المفاجأة.
ثم انفجر المكان بالتصفيق.
ناس قامت من أماكنها.
ورجال أعمال كانوا من دقائق بيضحكوا عليها، بقوا بيصفقوا بكل قوتهم.
يوسف، عامل البوفيه، كان أول واحد يهتف
برافو يا أستاذة ندى!
وبعده بثوانٍ، القاعة كلها كانت بتنادي باسمها.
ندى... ندى... ندى!
أما حسن الدمنهوري...
فكان واقفًا في مكانه، وعيناه مليئتان بالذهول.
نظر إلى سوسن.
ثم إلى ابنه كريم.
ثم عاد ينظر إلى ندى.
قال بصوت منخفض
أنا... خسرت.
لكن قبل أن يكمل كلامه...
رن هاتف أحد رجال الأمن عند باب القاعة.
تغير لون وجهه وهو ينظر إلى الشاشة.
أسرع نحو حسن وهمس في أذنه بكلمات قليلة.
اختفى لون وجه حسن فجأة.
رفع رأسه ناحية باب القاعة الزجاجي.
وفي اللحظة التالية...
توقفت عشر سيارات سوداء فاخرة أمام البرج.
نزل منها رجال ببدلات رسمية.
وفي المنتصف...
نزلت سيدة مسنة، تمشي بعصا أنيقة، لكن هيبتها جعلت الجميع يفسح لها الطريق.
ما إن وقعت عيناها على ندى...
حتى نادت بصوت مرتجف
بنتي... أخيرًا لقيتك.
تجمدت ندى في مكانها.
أما الكابتن فؤاد، فأغمض عينيه وقال
كنت عارف إن اليوم ده لازم ييجي...
واستدار حسن الدمنهوري نحو السيدة، وقد اختفت ثقته تمامًا، وكأنه يعرفها أكثر مما يعرفها أي شخص آخر في القاعة... لكن لم يجرؤ على نطق اسمها تجمدت القاعة بالكامل.
السيدة تقدمت بخطوات بطيئة، وكل الحراس وقفوا خلفها في صمت.
ندى كانت بتبصلها بعينين مليانين حيرة.
همست
حضرتك... تقصديني؟
ابتسمت السيدة، لكن الدموع كانت بتلمع في عينيها.
أكيد أقصدك.
ثم مدت إيدها في شنطة جلد سوداء كانت معاها، وطلعت ظرفًا قديمًا، لونه اصفر من الزمن.
قالت
الظرف ده بقاله اتناشر سنة معايا... ومستنية اليوم اللي أسلمه لصاحبته.
ندى أخذته بإيد مرتعشة.
بمجرد ما شافت اسمها مكتوب على الظرف...
اتسعت عيناها.
كان خط أمها.
شهقت وهي تهمس
ماما...
بدأت دموعها تنزل لأول مرة من أول الحفل.
الحضور كله كان بيتابع في صمت.
أما حسن الدمنهوري، فكان وجهه شاحبًا بشكل غريب.
كريم لاحظ ده، وقال
بابا... إنت تعرف الست دي؟
لكن حسن تجاهل السؤال.
السيدة التفتت للحضور وقالت
أنا اسمي ليلى السيوفي.
الاسم وحده خلى عددًا من رجال الأعمال يهمسوا لبعض.
كانت معروفة بأنها مؤسسة واحدة من أكبر الجمعيات الخيرية في البلد، وصاحبة مشروعات لدعم المصابين في الحوادث.
ثم نظرت إلى ندى وقالت
أمك أنقذت حياتي.
القاعة كلها شهقت.
ندى هزت رأسها بعدم تصديق.
إزاي؟
تنهدت ليلى وقالت
في ليلة الحادث... عربيتي كانت قدام عربيتكم بدقائق.
ولما حصل التصادم، أمك كانت مصابة... لكنها أصرت إن رجال الإسعاف يخرجوني أنا الأول، لأن عربيتي كانت بدأت تتحرق.
سكتت لحظة وهي تحاول تسيطر على دموعها.
آخر مرة شفت فيها أمك... كانت بتسلمني الظرف ده.
رفعت الظرف أمام الجميع.
وقالتلي لو بنتي عاشت... اديها الرسالة دي بنفسك.
ندى ضمت الظرف إلى صدرها، لكنها لم تستطع فتحه.
إيديها كانت بترتعش.
في تلك اللحظة، قال حسن الدمنهوري بصوت متوتر
ممكن... نكمل الكلام في مكان خاص؟
استغرب كريم.
دي أول مرة يشوف أبوه مرتبك بالشكل ده.
ليلى بصت لحسن نظرة طويلة، ثم قالت
لأ.
اللي اتقال قدام الناس... لازم الحقيقة كمان تتقال قدام الناس.
تبدلت ملامح حسن أكثر.
ثم أخرجت ليلى ملفًا سميكًا من حقيبتها، ووضعته على أقرب طاولة.
قالت
في الملف ده... كل التقارير الخاصة بالحادث.
الكابتن فؤاد نظر إلى حسن باستغراب.
أما كريم، فاقترب من الملف ببطء.
لكن قبل أن يلمسه...
قالت ليلى جملة جعلت القاعة كلها تحبس أنفاسها
فيه اسم شخص كان المفروض يشهد في القضية... لكنه اختفى في الليلة نفسها.
نظر الجميع إلى حسن الدمنهوري.
ولم ينطق أحد بكلمة.
أما حسن...
فأغلق عينيه للحظة، وكأنه يعرف بالضبط ما الذي يوجد داخل ذلك الملف.
وفي نفس اللحظة، بدأت ندى تفتح رسالة أمها ببطء...
وقبل أن تقرأ أول سطر، سقطت من داخل الظرف صورة قديمة، جعلت ملامح كريم تتغير فجأة وهو يهمس
الصورة دي... كانت عندنا في بيتنا!تجمدت يد ندى وهي تنظر إلى الصورة.
انحنى كريم بسرعة والتقطها قبل أن تسقط على الأرض.
كانت صورة قديمة، باهتة الأطراف.
فيها طفلة صغيرة تضحك وهي ماسكة كأس بطولة.
وبجانبها أمها.
وخلفهما...
وقف ثلاثة أشخاص.
الكابتن فؤاد.
ورجل شاب في الثلاثينيات.
وشخص ثالث، نصف وجهه ظاهر فقط.
كريم اتسعت عيناه.
الصورة دي كانت في مكتب بابا... وأنا صغير كنت بشوفها كل يوم.
ساد صمت ثقيل.
كل الأنظار اتجهت إلى حسن.
لكن حسن لم ينكر.
بل قال بهدوء غير متوقع
أيوه... كانت عندي.
ندى رفعت رأسها ببطء.
ليه؟
تنهد حسن طويلًا، ثم قال
لأن الشخص اللي واقف في الصورة...
وأشار إلى الرجل الشاب.
...كان أعز صديق ليا.
بدأ الهمس ينتشر من جديد.
أما الكابتن فؤاد، فكانت ملامحه متجهمة.
قال
وأبو ندى.
شهقت القاعة.
ندى شعرت وكأن الأرض تهتز تحت قدميها.
بابا؟
أخذت الصورة من كريم وهي تحدق فيها.
كانت أول مرة منذ سنوات ترى صورة واضحة لوالدها.
همست
أنا فاكرة إن بابا مات قبل الحادث...
نظر إليها الكابتن فؤاد بحزن.
ده اللي الكل قاله.
ثم سكت.
وكأنه تردد في إكمال الجملة.
لكن ليلى السيوفي قالت بحزم
لأنه اختفى.
القاعة كلها التفتت إليها.
وأضافت
جثمان والدك... لم يُعثر عليه أبدًا.
ندى رفعت رأسها بسرعة.
إيه؟
قالت ليلى
القضية اتقفلت على إنه متوفى... لكن ماكانش فيه دليل قاطع.
كريم التفت إلى والده.
بابا... إنت كنت تعرف الكلام ده؟
حسن ظل صامتًا لعدة ثوانٍ.
ثم قال
كنت عارف.
ارتفعت أصوات الحضور.
واحد من الصحفيين صاح
يعني الحقيقة كانت مخفية كل السنين دي؟
رجال الأمن حاولوا يمنعوا الصحفيين من الاقتراب.
لكن الكاميرات كانت بالفعل بتنقل كل لحظة مباشرة.
ندى قربت من حسن، وعيناها مليئتان بالأسئلة.
لو كنت تعرف... ليه ماقلتليش؟
نظر إليها حسن لأول مرة بدون أي كبرياء.
ثم قال بصوت خافت
لأن في وعد... قطعته لوالدك.
الكابتن فؤاد صرخ بغضب
بعد اتناشر سنة... لسه بتتكلم عن الوعد؟
رد حسن
الوعد كان يحمي ناس كتير.
ليلى هزت رأسها.
لكن السكوت كل السنين دي دمّر حياة بنته.
في تلك اللحظة...
دخل أحد الحراس مسرعًا إلى القاعة، وهو يلهث.
اقترب من حسن، لكنه هذه المرة لم يهمس.
قال بصوت سمعه الجميع
يا فندم... الراجل وصل.
التفت الجميع نحو الباب الرئيسي.
ظهر رجل طويل، شعره اختلط فيه الشيب بالسواد، ووجهه يحمل آثار إصابة قديمة.
وقف عند المدخل.
عيناه لم تبحثا عن حسن...
ولا عن كريم...
بل توقفتا مباشرة عند ندى.
أما ندى...
فشعرت بقلبها يخفق بعنف، دون أن تعرف لماذا.
ثم نطق الرجل أول كلمة منذ دخوله
آسف... اتأخرت جدًا سادت القاعة حالة من الذهول.
كل العيون اتجهت للرجل.
ندى كانت بتبص له، وقلبها بيدق بعنف، لكنها ماعرفتش ليه حست بإحساس غريب أول ما شافته.
الرجل وقف على بعد خطوات منها.
كانت في وشه ندبة طويلة تمتد من صدغه لحد فكه.
واضح إنه شاف سنين صعبة.
قال بصوت مبحوح
كبرتي... أكتر بكتير مما كنت متخيل.
ندى همست وهي مرتبكة
إحنا نعرف بعض؟
الرجل ابتسم بحزن.
إنتِ ما تفتكرنيش... كان عندك اتناشر سنة آخر مرة شفتك فيها.
كريم بص لحسن.
بابا... مين ده؟
لكن حسن فضل ساكت.
ليلى السيوفي قالت وهي تراقب الرجل
اتفضل... الحقيقة لازم تتقال.
الرجل أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال
اسمي شريف منصور.
الاسم ماكانش مألوف لندى.
لكن الكابتن فؤاد أغمض عينيه، وكأنه كان مستني اللحظة دي من سنين.
قال شريف
أنا كنت أقرب صديق لوالدك.
ثم نظر مباشرة إلى ندى.
وفي ليلة الحادث... كنت راكب العربية معاهم.
القاعة كلها شهقت.
الصحفيون قربوا أكثر، والكاميرات اتجهت نحوه.
ندى سألت بصوت مرتعش
إيه اللي حصل الليلة دي؟
خفض شريف رأسه للحظات، ثم رفعه وقال
العربية ما اتعملش لها حادث بالصدفة.
ساد صمت مخيف.
حتى الموسيقى كانت متوقفة تمامًا.
حسن الدمنهوري أغلق عينيه للحظة.
أما كريم فصرخ
يعني إيه؟
رد شريف
الفرامل كانت متلاعب بيها.
القاعة انفجرت بالهمهمات.
واحد من رجال الأعمال قال
مستحيل!
آخر أخرج هاتفه وبدأ يبث مباشرة.
ندى رجعت خطوة للخلف، وهي تحاول تستوعب الكلام.
تقصد... إن حد حاول يقتلنا؟
شريف هز رأسه ببطء.
أيوه.
ثم أضاف
لكن الشخص اللي كان مستهدف... ماكانش إنتِ.
كل الموجودين حبسوا أنفاسهم.
ندى سألت
كان مين؟
نظر شريف نحو حسن الدمنهوري.
ثم قال
والدك.
اتجهت كل الأنظار إلى حسن.
لكن قبل أن ينطق بكلمة...
دخل ضابط شرطة بملابس رسمية إلى القاعة، وبرفقته اثنان من أفراد الأمن.
وقف أمام الجميع وقال
إحنا وصلنا بعد بلاغ يتعلق بإعادة فتح ملف الحادث.
ثم رفع ملفًا مختومًا، ونظر إلى حسن الدمنهوري قائلًا
ونحتاج نستمع إلى أقوال كل من له علاقة بالواقعة.
تبادل الحضور النظرات، بينما ازدادت التغطية الإعلامية داخل القاعة.
أما ندى...
فكانت لا تزال تمسك رسالة أمها المغلقة.
ولم تكن تعرف...
أن الكلمات الموجودة داخلها ستغيّر كل ما كانت تعتقد أنها تعرفه عن عائلتها ندى نظرت إلى الرسالة في إيديها.
أصابعها كانت بترتعش.
قالت ليلى بهدوء
اقريها... دي كانت آخر أمنية لأمك.
أخذت ندى نفسًا عميقًا.
وفتحت الورقة القديمة بحرص شديد.
كان الخط واضحًا...
خط أمها فعلًا.
بدأت تقرأ بصوت مرتجف
بنتي ندى... لو الرسالة دي وصلتلك، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. أول حاجة عايزاكي تعرفيها... إني فخورة بيكي، وهفضل فخورة بيكي مهما حصل.
انهمرت دموع ندى.
لكنها أكملت.
لو حد قالك يوم إن اللي حصل كان مجرد حادث... ماتصدقيش بسهولة. وفي نفس الوقت، ماتكرهيش حد قبل ما تعرفي الحقيقة كاملة.
الحضور كله كان ساكت.
حتى الصحفيون وقفوا التصوير للحظات.
ندى قلبت الصفحة.
وفي آخرها جملة واحدة مكتوبة بخط أكبر
لو قابلتي حسن الدمنهوري يومًا... اسمعي منه قبل ما تحكمي عليه.
رفعت ندى رأسها ببطء.
ونظرت إلى حسن.
القاعة كلها اتجهت إليه.
كريم قال بدهشة
يعني... ماما كانت بتثق في بابا؟
حسن لم يرد.
لكن الدموع لمعت لأول مرة في عينيه.
قال بصوت منخفض
والدتك كانت أشجع إنسانة عرفتها.
ندى اقتربت منه خطوة.
يبقى قول الحقيقة.
أغمض حسن عينيه.
ثم قال
والدك كان شريكي... مش في الشغل بس... في الحلم.
ساد الصمت.
كنا بنبني شركة صغيرة مع بعض، واتفقنا إننا مانتنافسش أبدًا.
ثم نظر إلى الصورة القديمة.
لكن في ناس كبار ماعجبهمش نجاحنا.
شريف هز رأسه مؤكدًا.
وقال
بدأت تهديدات... وبعدها بأيام حصل اللي حصل.
الضابط سأل
هل عندك دليل على الكلام ده؟
رد حسن
عندي.
ثم أخرج مفتاحًا صغيرًا من جيبه.
كان مربوطًا بسلسلة جلد قديمة.
رفع المفتاح أمام الجميع وقال
المفتاح ده فتحته ماحدش استخدمها من اتناشر سنة.
كريم استغرب.
فتحه إيه؟
قال حسن
خزنة.
القاعة كلها بدأت تهمس.
وأضاف
فيها مستندات... وعقود... وتسجيلات.
الضابط قال بسرعة
فين مكانها؟
نظر حسن إلى ندى قبل أن يجيب.
وقال
والدك هو اللي طلب مني أخبيها.
ندى همست
ليه؟
رد حسن
لأنه كان متأكد إن في يوم... هترجعي تطلبي الحقيقة بنفسك.
وفي اللحظة نفسها...
رن هاتف الضابط.
رد بسرعة.
استمع لعدة ثوانٍ.
ثم تغيرت ملامحه تمامًا.
أنهى المكالمة، ونظر إلى حسن قائلًا
في مشكلة.
سأله كريم بقلق
إيه اللي حصل؟
قال الضابط
الخزنة اللي بتتكلم عنها...
وتوقف للحظة.
...حد دخل المكان اللي موجودة فيه من أقل من عشر دقائق.
تبادلت العيون النظرات في صدمة.
أما حسن...
فقبض على المفتاح بقوة، وقال