اهل القريه فضلو

لمحة نيوز


من جبال الأكل التي تجففها، كانت مارثا ترى ما لا يرونه. كانت تسمع في حفيف أوراق الشجر صرير ثلوج ديسمبر القادمة.
بداية الكارثة الشتاء الأبيض العظيم
مرت شهور الصيف، ودخل الخريف، ثم جاء ديسمبر من عامنا هذا. لكنه لم يكن شتاءً عادياً. بدأ الأمر بنسر هبط من أعالي الجبل في غير موعده، تبعه هبوط مفاجئ في درجات الحرارة جعل مياه الآبار تتجمد في ليلة واحدة.
في صباح اليوم التالي، بدأت الثلوج تتساقط. لم تكن رقاقات ثلج ناعمة، بل كانت كتلًا قطنية ثقيلة ومستمرة. في الأسبوع الأول، غطى الثلج النوافذ. في الأسبوع الثاني، اختفت بوابات البيوت وتجمدت الماشية في حظائرها. وفي الأسبوع الثالث، انقطعت السبل تماماً بين وادي آشو والعالم الخارجي. انهار خط الإمداد الوحيد، والبلدة التي كانت تضحك بالأمس، أصبحت اليوم محاصرة في مقبرة بيضاء.
في دكان البلدة الكبير، وقف الرجال يتهامسون، لكن هذه المرة بلا ضحك. الوجوه التي كانت مسترخية في الصيف غشاها الرعب. المخزون شح، الدقيق نفد، وصوت بكاء الأطفال من الجوع بدأ يتسلل من خلف الأبواب المغلقة.
نظر صاحب الدكان إلى الرفوف الفارغة وقال بصوت مرتعش
لقد أكلنا كل شيء.. حتى البذور التي كنا سنزرعها في الربيع. إذا لم تأتِ النجدة خلال يومين، فسنموت هنا جميعاً.
حينها، رفع أحد الرجال عينه نحو قمة الجبل، حيث يقع الكوخ الوحيد الصامد. لم يكن هناك سوى ممر ضيق ووعر يرتفع وسط الثلوج، ممر يقود إلى بيت مارثا ويكفيلد. صعد دخان رفيع دافئ من مدخنتها، وكان هذا الدخان بمثابة الإشارة الوحيدة للحياة في هذا الوادي الميت.
المسير إلى قلعة الحكمة
لم يكن أمام رجال القرية خيار آخر. جمعوا ما تبقى لديهم من قوة، وربطوا أحذيتهم بقطع من الخشب ليمشوا فوق الثلج، وبدأوا رحلة صعود شاقة نحو الكوخ الذي طالما سخروا منه. كانت أنفاسهم تتجمد في الهواء، والندم ينهش قلوبهم مع كل خطوة.
عندما وصلوا إلى ساحة بيتها، ذهلوا. لم يكن الثلج قد غمر بيتها كالبقية؛ فقد كانت قد صممت مناشر الخشب والأسقف مائلة بزوايا هندسية دقيقة تجعل الثلج ينزلق عنها تلقائياً.
طرقت أيديهم المرتجفة الباب الخشبي الثقيل. فُتح الباب، وخرجت مارثا. كانت ترتدي معطفاً سميكاً من جلد الغزال، ووجهها يحمل نفس الملامح الهادئة والصارمة. لم تبدُ عليها المفاجأة.
تقدم كبيرهم، وهو نفس الرجل الذي كان يغمز بعينه ويضحك أمام الدكان في يوليو، ونكس رأسه وقال بصوت مكسور
مارثا... نحن نموت جوعاً في الأسفل. الأطفال يبكون، والمؤن انتهت. جئنا نطلب نجدتكِ.. ونعتذر عن كل كلمة سخرية قيلت في حقكِ. لقد كنتِ العاقلة الوحيدة بيننا.
نظرت مارثا إلى وجوههم الشاحبة وأعينهم المستجدية. لم تبتسم شماتة، ولم تصرخ في وجوههم طردًا. تذكرت زوجها صمويل، وتذكرت كيف خذلها هذا الوادي ولم يمد لها يد العون حين مات جوعاً. لكنها نظرت أيضاً إلى داخل كوخها، حيث كان طفلاها يجلسان بجانب المدفأة، وجوههما ممتلئة بالصحة والدفء، وحولهما برطمانات التفاح المجفف التي تلمع كالذهب، وتلال اللحم المملح، وأكياس الفاصوليا المجففة.
قالت بصوت قوي وواضح حسم الموقف
أنا لم أخزن هذا الطعام لأنتقم منكم، بل خزنته لأنني أعرف معنى الجوع. سأعطيكم ما يكفيكم ويكفي أطفالكم، ولكن بشرط واحد.
حبس الرجال أنفاسهم، ظانين أنها ستطلب كل أموالهم أو أراضيهم. لكن مارثا تابعت
الشرط هو أنه عندما يأتي الربيع، لن يمر يوم صيف واحد دون أن يعمل كل فرد فيكم على تأمين شتائه. سأعلمكم كيف تجففون الأكل، كيف تبنون القلاع ضد البرد، وكيف تحترمون الطبيعة بدلًا من الاستهتار بها. من يقبل بشرطي، فليحمل معي الصناديق.
النهاية والنصيحة المفيدة
انهمرت دموع الرجال فرحاً، وخروا على ركبهم يشكرونها. وفي ذلك اليوم، تحول كوخ الأرملة المجنونة إلى طوق النجاة لوادي آشو بأكمله. حملوا اللحم المملح الذي يحفظه الملح من العفن، وتناولوا شرايح التفاح المجفف التي أعطتهم الطاقة والفيتامينات لمواجهة البرد، وطبخوا الطماطم والأعشاب التي أحيت أجسادهم الضعيفة.
عندما ذاب الثلج وأشرقت شمس الربيع، لم يعد وادي آشو كما كان سابقاً. لم يعد أحد يجلس كسلاناً أمام الدكان يطلق النكات ويتحدث في شؤون الآخرين. تعلم الجميع الدرس القاسي أن السخرية هي سلاح الضعفاء والجهلاء، بينما العمل الصامت والتحضير للمستقبل هو شيمة العقلاء.
أصبحت مارثا ويكفيلد هي قائدة
الوادي ومستشارته الأولى. وحول بيتها، لم تعد المناشر وحيدة، بل قلدها كل أهل القرية، ليبقى تفاح الوادي يلمع فوق الأسطح في كل صيف، شاهداً على أن من يضحك في الصيف مستهتراً، يبكي في الشتاء نادماً، ومن يزرع ويجتهد في صمت، يحصد وقت الأزمة عزاً وأماناً.
تمت

 

تم نسخ الرابط